إن البرود الجنسي عند النساء نادراً ما يكون نتيجة لسبب واحد فقط، بل هو عادة نتاج تفاعل معقد بين عوامل متعددة. تشير الدراسات الأوروبية الحديثة إلى أن هذه العوامل يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسية: الأسباب النفسية والاجتماعية، والأسباب الطبية والهرمونية، والأسباب التشريحية [مصدر].
1. الأسباب النفسية والاجتماعية
تُعتبر العوامل النفسية والاجتماعية من أهم أسباب البرود الجنسي عند النساء، حيث أن الوظيفة الجنسية الأنثوية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والعاطفية للمرأة.
2. الصدمات الجنسية المبكرة
تُظهر الدراسات أن التجارب الجنسية السلبية، خاصة في بداية الحياة الجنسية، يمكن أن تترك أثراً نفسياً عميقاً يستمر لسنوات طويلة. ليلة الزفاف المؤلمة أو المؤذية نفسياً، على سبيل المثال، يمكن أن تخلق ارتباطاً سلبياً في اللاوعي بين العملية الجنسية والألم أو الخوف. هذا الارتباط السلبي يمكن أن يؤدي إلى تجنب الأنشطة الجنسية أو عدم الاستمتاع بها حتى لو كانت الظروف الحالية مختلفة تماماً.
كما أن التعرض للاعتداء الجنسي أو التحرش يمكن أن يؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) الذي يؤثر بشدة على الوظيفة الجنسية. النساء اللواتي تعرضن لمثل هذه التجارب قد يعانين من القلق والخوف والتوتر عند محاولة ممارسة الجنس، مما يمنع الاستجابة الجنسية الطبيعية.
3. الاضطرابات النفسية
الاكتئاب والقلق من أكثر الاضطرابات النفسية تأثيراً على الوظيفة الجنسية. الاكتئاب، على وجه الخصوص، يؤثر على مستويات الناقلات العصبية في المخ مثل السيروتونين والدوبامين، والتي تلعب دوراً مهماً في الرغبة الجنسية والاستمتاع. كما أن أعراض الاكتئاب مثل فقدان الاهتمام بالأنشطة الممتعة وانخفاض الطاقة تؤثر مباشرة على الرغبة الجنسية.
القلق، سواء كان عاماً أو مرتبطاً بالأداء الجنسي تحديداً، يمكن أن يخلق حلقة مفرغة حيث يؤدي القلق من عدم الاستمتاع إلى توتر يمنع الاستمتاع فعلاً، مما يزيد من القلق في المرات التالية.
4. مشاكل العلاقة الزوجية
جودة العلاقة العاطفية بين الزوجين تؤثر بشكل كبير على الوظيفة الجنسية للمرأة. النزاعات المستمرة، وعدم التواصل الفعال، وفقدان الثقة، والشعور بعدم التقدير كلها عوامل تؤثر سلباً على الرغبة الجنسية. المرأة تحتاج للشعور بالأمان العاطفي والارتباط العاطفي مع شريكها لتتمكن من الاستجابة الجنسية الطبيعية.
كما أن الروتين في العلاقة الجنسية وعدم التجديد يمكن أن يؤدي إلى الملل وانخفاض الاهتمام. عدم فهم الشريك لاحتياجات المرأة الجنسية أو عدم اهتمامه بإشباعها يمكن أن يؤدي إلى إحباط تدريجي وانسحاب من النشاط الجنسي.
5. الضغوط الحياتية والاجتماعية
ضغوط الحياة اليومية مثل ضغوط العمل، والمسؤوليات الأسرية، والمشاكل المالية تؤثر على الصحة النفسية العامة وبالتالي على الوظيفة الجنسية. المرأة التي تعاني من ضغوط مستمرة قد تجد صعوبة في الاسترخاء والتركيز على المتعة الجنسية.
كما أن العوامل الثقافية والاجتماعية تلعب دوراً مهماً. في بعض المجتمعات، قد تنشأ المرأة على معتقدات سلبية حول الجنسية الأنثوية، مما يخلق شعوراً بالذنب أو الخجل المرتبط بالمتعة الجنسية. هذه المعتقدات يمكن أن تمنع المرأة من التعبير عن احتياجاتها الجنسية أو الاستمتاع بالعلاقة الجنسية بشكل طبيعي.
6. الأسباب الطبية والهرمونية
تلعب العوامل الطبية والهرمونية دوراً محورياً في الوظيفة الجنسية الأنثوية، حيث أن أي خلل في هذه الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى البرود الجنسي.
· الاضطرابات الهرمونية
الهرمونات الجنسية، وخاصة الإستروجين والتستوستيرون، تلعب دوراً أساسياً في الرغبة الجنسية والاستجابة الجنسية. انخفاض مستويات الإستروجين، الذي يحدث طبيعياً مع التقدم في العمر وخاصة بعد انقطاع الطمث، يؤدي إلى تغيرات في الأنسجة التناسلية وانخفاض في الترطيب الطبيعي، مما يمكن أن يجعل العملية الجنسية مؤلمة وغير مريحة.
تشير الدراسات الأوروبية إلى أن العلاج الهرموني يمكن أن يحسن الوظيفة الجنسية بشكل طفيف إلى متوسط. دراسة شاملة شملت 47 تجربة سريرية و35,912 مشاركة أظهرت أن العلاج بالإستروجين، والعلاج المركب بالإستروجين والبروجستيرون، والتيبولون، ومُعدِّلات مستقبلات الإستروجين الانتقائية جميعها أظهرت تحسناً طفيفاً في الوظيفة الجنسية مقارنة بالعلاج الوهمي.
· أمراض الجهاز الدوري
صحة الجهاز الدوري ضرورية للوظيفة الجنسية الطبيعية، حيث أن الاستجابة الجنسية تعتمد على تدفق الدم إلى الأعضاء التناسلية. أمراض مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وارتفاع الكوليسترول يمكن أن تؤثر على الدورة الدموية وبالتالي على القدرة على الاستجابة الجنسية.
مرض السكري، على وجه الخصوص، يمكن أن يؤدي إلى تلف الأعصاب والأوعية الدموية، مما يؤثر على الإحساس في المنطقة التناسلية وعلى تدفق الدم إليها. كما أن التدخين يؤثر سلباً على الدورة الدموية ويمكن أن يؤدي إلى ضعف في الاستجابة الجنسية.
· نقص الفيتامينات والمعادن
فيتامينات مجموعة B، وخاصة B12 وB6، ضرورية لصحة الجهاز العصبي. نقص هذه الفيتامينات يمكن أن يؤدي إلى ضعف في النقل العصبي، مما يؤثر على الإحساس في المنطقة التناسلية وعلى قدرة الجهاز العصبي على نقل إشارات المتعة إلى المخ.
فقر الدم (الأنيميا) هو حالة أخرى يمكن أن تؤثر على الوظيفة الجنسية. عندما تكون مستويات الهيموجلوبين منخفضة، لا يحصل الجسم على كمية كافية من الأوكسجين، مما يؤدي إلى التعب وانخفاض الطاقة وضعف في الاستجابة الجنسية.
· الأدوية والعلاجات الطبية
العديد من الأدوية يمكن أن تؤثر على الوظيفة الجنسية كأثر جانبي. مضادات الاكتئاب، وخاصة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، معروفة بتأثيرها السلبي على الرغبة الجنسية والقدرة على الوصول للذروة. أدوية ضغط الدم، ومضادات الهيستامين، وبعض أدوية منع الحمل الهرمونية يمكن أن تؤثر أيضاً على الوظيفة الجنسية.
العلاجات الطبية مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي يمكن أن تؤثر على الهرمونات والأنسجة التناسلية، مما يؤدي إلى مشاكل جنسية مؤقتة أو دائمة.
· الأسباب التشريحية والجراحية
1. ختان الإناث
ختان الإناث، الذي يتضمن إزالة جزء من البظر أو الأنسجة التناسلية الخارجية، يمكن أن يؤثر على الوظيفة الجنسية. ومع ذلك، من المهم فهم أن تأثير الختان يختلف حسب نوعه ومدى الأنسجة المُزالة. الدراسات تشير إلى أن الختان قد يقلل من الإحساس بنسبة تقدر بحوالي 20%، لكن هذا لا يعني بالضرورة عدم القدرة على الاستمتاع الجنسي.
النساء المختتنات يمكنهن الاستمتاع بالعلاقة الجنسية، خاصة مع الفهم الصحيح لطرق الإثارة المناسبة والتركيز على المناطق الحساسة المتبقية. المداعبة الخارجية للشفرين والمنطقة المحيطة بالبظر، بالإضافة إلى التحفيز الداخلي للنقطة الحساسة (G-spot)، يمكن أن تعوض جزئياً عن الأنسجة المُزالة. {مقال كامل عن ختان الإناث | مالا يسع جهله}
2. التهابات الجهاز التناسلي
الالتهابات البكتيرية أو الفطرية في المهبل أو المسالك البولية يمكن أن تسبب ألماً وعدم راحة أثناء العملية الجنسية، مما يؤدي إلى تجنب النشاط الجنسي أو عدم الاستمتاع به. هذه الالتهابات قد تكون حادة ومؤقتة أو مزمنة ومتكررة.
متلازمة الجهاز البولي التناسلي لانقطاع الطمث (GSM) هي حالة شائعة تؤثر على حوالي نصف النساء بعد انقطاع الطمث. تتضمن هذه المتلازمة جفاف المهبل، وترقق الأنسجة، وانخفاض المرونة، مما يجعل العملية الجنسية مؤلمة ومزعجة.
3. العمليات الجراحية
العمليات الجراحية في منطقة الحوض، مثل استئصال الرحم أو المبايض، يمكن أن تؤثر على الوظيفة الجنسية من خلال تغيير التشريح أو التأثير على الإمداد العصبي أو الهرموني. كما أن العمليات الجراحية لعلاج السرطان في المنطقة التناسلية يمكن أن تؤدي إلى تغيرات دائمة في الوظيفة الجنسية.