نظرة عن الجنس الشرجي بين اليونان وروما والثقافات المختلفة:
أحتاج هنا أن أبين أن الجنس الشرجي لم يكن ظاهرة حديثة، بل هو ممارسة ضاربة في القِدم، وقد تعاملَت معها الثقافات المختلفة بطرق متباينة، تراوحت بين القبول والرفض والتقنين. تُظهر السجلات التاريخية والآثار الفنية أن الجنس الشرجي لم يكن غائباً عن ممارسات الحضارات القديمة، وإن اختلفت دلالاته وتفسيراته.
“تنبيه: نذكر ما ورد في التاريخ حتى وإن اختلفت ثقافتنا معه”
- في اليونان القديمة: كان يُنظر إلى الجنس الشرجي بين الرجال البالغين والشباب (Pederasty) كجزء من عملية التنشئة الاجتماعية والتعليم، حيث كان الشاب يُعتبر الطرف المتلقي في العلاقة كرمز للخضوع والتلقي، بينما كان الرجل البالغ هو الطرف الفاعل كرمز للسلطة والتعليم. لم يكن هذا بالضرورة يعني وصماً اجتماعياً {لديهم}، بل كان جزءاً من منظومة اجتماعية معقدة.
- في روما القديمة: كان الجنس الشرجي يمارس أيضاً، وكان يُنظر إليه بشكل مختلف حسب الطبقة الاجتماعية والجنس. فبينما كان مقبولاً للرجل الروماني أن يمارس الجنس الشرجي مع العبيد أو الأسرى أو البغايا (سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً) كرمز لسيطرته، كان من المعيب أن يكون هو الطرف المتلقي في العلاقة، حيث كان ذلك يُنظر إليه كفقدان للرجولة والسيطرة.
- في الثقافات الأخرى: في المقابل، كانت بعض الحضارات الأخرى تفرض قيوداً صارمة على هذه الممارسة، أو تعتبرها من المحرمات. هذا التباين يعكس أن النظرة إلى الجنس الشرجي ليست ثابتة عبر التاريخ أو الثقافات، بل تتشكل بفعل العوامل الاجتماعية والدينية والأخلاقية السائدة في كل مجتمع.
قصة قوم لوط والتمييز بين اللواط “إن صح اللفظ” والجنس الشرجي مع الزوجة:
كثيراً ما يتم الربط بين الجنس الشرجي وقصة قوم لوط، وهو ربط يحتاج إلى توضيح دقيق.
من المهم جداً التفريق بين فعل قوم لوط، وبين ممارسة الجنس الشرجي مع الزوجة.
ففعل قوم لوط هو {الشذوذ الجنسي}، وهو {إتيان الذكور للذكور}، وهو محرم بالإجماع في جميع الأديان السماوية، ويعتبر من كبائر الذنوب. أما الجنس الشرجي مع الزوجة، فهو ممارسة تتم بين رجل وامرأة في إطار العلاقة الزوجية الشرعية. ورغم أن جمهور العلماء يحرمون هذه الممارسة، إلا أنها لا تدخل في تعريف اللواط الذي ارتكبه قوم لوط. فاللوطية تتعلق بالفاعل والمفعول به (ذكر مع ذكر)، بينما الجنس الشرجي مع الزوجة يتعلق بكيفية الإتيان (في الدبر) بين زوجين. هذا التمييز ضروري لتجنب الخلط بين المفاهيم وتطبيق الأحكام الشرعية بشكل صحيح.
الجنس الشرجي في الشرائع السماوية
تتفق الشرائع السماوية الثلاث الكبرى – اليهودية، والمسيحية، والإسلام – على تحريم الجنس الشرجي، وإن اختلفت في تفاصيل النصوص والأحكام.
- اليهودية: تُحرم التوراة بشكل صريح ممارسة الجنس الشرجي، وتعتبره “رجسًا” و”فاحشة”، خاصة في سياق العلاقات المثلية، ولكن التحريم يمتد ليشمل العلاقات الزوجية أيضًا في تفسيرات بعض المدارس الفقهية اليهودية.
- المسيحية: أما في المسيحية فبالرغم من عدم وجود نص صريح في العهد الجديد يحرم الجنس الشرجي تحديدًا، إلا أن الكنائس المسيحية بمختلف طوائفها (الكاثوليكية، الأرثوذكسية، والبروتستانتية) تعتبره ممارسة غير طبيعية وتخالف الغاية الأساسية للجنس وهي الإنجاب والوحدة الجسدية، وتستند في ذلك إلى تفسيرات لنصوص تتحدث عن “الأعمال المخالفة للطبيعة” و”النجاسة” في رسائل بولس الرسول.
- الإسلام: يُحرم الله جل وعز الجنس الشرجي تحريمًا قاطعًا عند جمهور الفقهاء من جميع المذاهب، استنادًا إلى نصوص صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. الآية القرآنية “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ” (البقرة: 223) تُفسر بأن موضع الإتيان هو القُبُل (المهبل) فقط، لأنه موضع الحرث والزرع. كما وردت أحاديث نبوية صريحة تنهى عن إتيان النساء في أدبارهن وتلعن فاعله، مما يؤكد على تحريمه الشديد واعتباره من كبائر الذنوب. هذا الإجماع الديني على التحريم يعكس نظرة موحدة لهذه الممارسة كفعل يتجاوز الحدود الطبيعية.
ونستعرض هنا الحكم الشرعي في الدين الإسلامي للجنس الشرجي، مع تفنيد شبهات المجيزين الذين لا يسوغ معها الخلاف.
حكم الجنس الشرجي – إتيان الدبر في الشريعة الإسلامية.
مسألة إتيان الدبر (الجنس الشرجي) من النوازل الفقهية التي أولاها الفقهاء والأئمة الأعلام عناية فائقة، وحسموا القول فيها بالتحريم القاطع، مستندين في ذلك إلى أدلة شرعية متضافرة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين، وجمهور فقهاء الأمصار. وقد تضافرت نصوص الوحي على بيان هذا الحكم، وتفنيد كل شبهة قد تثار حول جوازه، تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ النسل والعرض.
من القرآن الكريم
قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223].
وجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة يتجلى في عدة أوجه، كما بيّنها كبار المفسرين والفقهاء:
- التشبيه بالحرث: أجمع المفسرون على أن الله تعالى شبّه النساء بـ “الحرث”، والحرث هو موضع الزرع والإنبات، وهو القُبُل (المهبل) الذي هو مكان الإنجاب وتكوين النسل. أما الدبر، فليس موضعًا للحرث ولا للزرع، بل هو موضع الأذى والقذارة ومخرج للنجاسات، فلا يصح أن يكون محلاً للوطء الذي قصد منه النسل والطهارة. وقد نص على ذلك الإمام الطبري في “جامع البيان”، والإمام القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن”، وغيرهما.
- معنى “أَنَّىٰ شِئْتُمْ”: اختلف المفسرون في معنى “أَنَّىٰ شِئْتُمْ”، والصحيح الذي عليه جمهورهم، والذي تؤيده السنة النبوية وسبب النزول، أنها تعني “كيف شئتم” من حيث الهيئة والوضعية (من الأمام، من الخلف، قائمة، قاعدة)، ولكن بشرط أن يكون الإتيان في موضع الحرث وهو القبل. وقد روى الإمام البخاري في “صحيحه” عن ابن عمر رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: “يأتيها في الفرج على أي حال”. وهذا يقطع دابر التأويلات الفاسدة التي تحاول إدخال الدبر في معنى الحرث.
من السنة النبوية
وردت أحاديث نبوية صريحة ومتواترة في النهي عن الجنس الشرجي أو إتيان الدبر، مما لا يدع مجالاً للشك في تحريمها، بل وتغليظ العقوبة على فاعلها. وقد صحّت هذه الأحاديث عن النبيﷺ، وتلقاها الأئمة بالقبول والعمل
قول النبيﷺ: “مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا” [رواه أبو داود في “سننه”].
واللعن هو الطرد من رحمة الله، وهو لا يكون إلا على فعل كبيرة من الكبائر، مما يدل على عظم هذا الذنب وشناعته في الشرع.
قولهﷺ: “لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا” [رواه الترمذي في “سننه”، وحسّنه].
وهذا الحديث يدل على سخط الله وغضبه الشديد على من يرتكب هذا الفعل، وحرمانه من نظر الرحمة الإلهية، وهو وعيد شديد لا يصدر إلا في حق ذنب عظيم.
قولهﷺ: “مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ” [رواه أحمد في “مسنده”، وصححه الأرناؤوط].
وهذا من أشد الأحاديث في التحذير من هذا الفعل، حيث يقرنه بالكفر بما أنزل على النبيﷺ، مما يدل على أنه من كبائر الذنوب التي قد تخرج صاحبها من الملة إذا استحلها، والعياذ بالله.
الإجماع
لقد أجمع الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان على تحريم إتيان الدبر، ولم يُعرف عن أحد منهم القول بالجواز إلا ما نُسب إلى بعضهم من أقوال شاذة ومردودة، وقد فنّدها العلماء المحققون. وقد استقر رأي المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة على التحريم القاطع، بل اعتبره بعضهم من كبائر الذنوب التي تستوجب التوبة النصوح. وفيما يلي تفصيل لموقف كل إمام من أئمة المذاهب الأربعة مع ذكر معتمداتهم والمراجع التي ورد فيها ذلك:
- الإمام أبو حنيفة النعمان (ت 150 هـ) نص أصحابه على تحريم إتيان الدبر تحريمًا قطعيًا. وقد اعتبروا هذا الفعل من المحرمات البينة التي لا خلاف فيها في المذهب الحنفي، واستندوا إلى عموم النصوص الشرعية من القرآن والسنة التي تنهى عن إتيان الدبر، وخصوصًا الآيات التي تشبه النساء بالحرث، والأحاديث التي تلعن فاعل ذلك. كما استدلوا بأن الدبر ليس محلاً للوطء الشرعي الذي قصد منه النسل والطهارة، في “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” للكاساني، و”المبسوط” للسرخسي، و”فتح القدير” لابن الهمام.
- الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) الرواية الصحيحة والثابتة عن الإمام مالك هي التحريم القاطع لإتيان الدبر. وما نُسب إليه من إباحة هو قول ضعيف ومتروك، وقد تبرأ منه كبار علماء المالكية وأكدوا أن مذهب الإمام مالك هو التحريم، واستدل الإمام مالك بالآية الكريمة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وفسّر الحرث بموضع النسل. كما استند إلى الأحاديث النبوية الصريحة في النهي عن إتيان الدبر. وقد نقل عنه ابن القاسم في “المدونة” تحريمه الشديد لهذا الفعل، في “المدونة الكبرى” لسحنون عن ابن القاسم عن مالك، و”أحكام القرآن” لابن العربي، و”بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد الحفيد.
- الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) نص الإمام الشافعي على التحريم القاطع لإتيان الدبر في كتبه، وشدد على أن هذا الفعل من الكبائر. وقد نقل عنه تلاميذه وأصحابه هذا التحريم بالإجماع في المذهب الشافعي، واستدل الإمام الشافعي بالآية القرآنية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وفسّرها بأن موضع الحرث هو القبل دون الدبر. كما استند إلى الأحاديث النبوية التي تلعن فاعل ذلك، واعتبرها أدلة صريحة على التحريم، في “الأم” للإمام الشافعي، و”المجموع شرح المهذب” للنووي، و”مغني المحتاج” للشربيني.
- الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) مذهب الإمام أحمد هو التحريم الصريح لإتيان الدبر، وقد روى عنه تلاميذه وأصحابه أقوالاً شديدة في النهي عن هذا الفعل، واعتبروه من الفواحش، واستند الإمام أحمد إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت في ذم إتيان الدبر ولعن فاعله، واعتبرها كافية للدلالة على التحريم. كما استدل بظاهر الآية الكريمة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وفسّرها بما يتوافق مع السنة النبوية، في “المسائل” التي رواها عنه ابنه عبد الله، و”المغني” لابن قدامة، و”الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” للمرداوي.
فما عليه الأئمة الأربعة أعلى الله درجاتهم في عِليِّين، والذي خلفهم فيه فقهاء المذاهب المتبوعة، قد أجمعوا على تحريم إتيان الدبر “الجنس الشرجي”، واستندوا في ذلك إلى أدلة قوية من الكتاب والسنة كما أسلفنا، وهذا الإجماع يعكس موقف الشريعة الإسلامية الواضح والصريح من هذه الممارسة، ويقطع الطريق أمام أي محاولة للقول بجوازها.
تفنيد الشبهات حول جواز إتيان الدبر
لقد درج بعض المتأخرين، أو من لا دراية له بتحقيق مذاهب الأئمة، على نسبة أقوال شاذة إلى بعض الأعلام، كالإمام مالك بن أنس وبعض الصحابة الأجلاء كابن عمر رضي الله عنهما، مفادها جواز إتيان الدبر. بيد أن هذه الأقوال، عند التحقيق والتدقيق، لا تصمد أمام النقد العلمي والفقهي، وهي مردودة من وجوه عدة:
- أولاً: ما نُسب إلى الإمام مالك من القول بالجواز: إن الرواية الصحيحة والثابتة عن إمام دار الهجرة، هي التحريم القاطع لإتيان الدبر. وقد نص على ذلك تلامذته وأصحابه الذين نقلوا عنه المذهب، كابن القاسم في “المدونة”. أما ما نُسب إليه من إباحة، فهو قول ضعيف ومتروك، وقد تبرأ منه كبار علماء المالكية ومحققو المذهب، وأكدوا أن مذهب الإمام مالك هو التحريم. ومن هؤلاء الأعلام: ابن العربي في “أحكام القرآن”: حيث فنّد هذه النسبة، وبيّن أن الإمام مالك كان يرى التحريم، وأن من نقل عنه الجواز قد أخطأ أو لم يفهم مراده، أو نقل عنه رواية شاذة لا يعتد بها في المذهب.
وكذا أورد الإمام القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” أقوال العلماء في المسألة، وأكد أن الصحيح عند مالك هو التحريم، وأن القول بالجواز منسوب إليه على سبيل الخطأ أو التأويل البعيد.
ثم ابن رشد الحفيد في “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” ذكر الخلاف في المسألة، وبيّن أن جمهور الفقهاء على التحريم، وأن ما نُسب إلى مالك من الجواز هو قول مرجوح أو غير ثابت عنه.
فالتحقيق يقتضي أن مذهب الإمام مالك في هذه المسألة هو التحريم، وأن كل ما خالف ذلك فهو إما رواية شاذة لا يعول عليها، أو فهم خاطئ لمراده، أو نسبة غير صحيحة.
- ثانياً: ما نُسب إلى ابن عمر رضي الله عنهما من القول بالجواز: فقد رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما ما يوهم جواز إتيان الدبر في تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ فقد ورد عنه رضي الله عنه أنه قال: “هي في إتيان النساء في أدبارهن”، أو “يأتيها في دبرها”. وقد نقل هذا القول بعض الرواة، ومنهم من فهم منه جواز إتيان الدبر مطلقًا. لكن تصدى كبار الأئمة والمحققين من العلماء لتفنيد هذه الشبهة، وبيان أن ما نُسب إلى ابن عمر من القول بالجواز هو فهم خاطئ لمراده. وقد أوضحوا ذلك من عدة وجوه:
استنكاره الشديد لإتيان الدبر: الثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يستنكر إتيان الدبر استنكارًا شديدًا. فقد سُئل عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: “وهل يفعل ذلك مسلم؟”. وهذا القول الصريح منه ينفي عنه أي نسبة للقول بالجواز، ويدل على أن هذا الفعل ليس من شأن المسلم الذي يلتزم حدود الله.
التمييز بين “الإتيان في الدبر” و “الإتيان من الدبر”: هذا هو مربط الفرس في فهم مراد ابن عمر. فالعلماء المحققون بيّنوا أن ابن عمر كان يقصد بجواز الإتيان “من الدبر”، أي من جهة الخلف، ولكن في “القبل” (المهبل). وهذا يتوافق تمامًا مع سبب نزول الآية الكريمة، حيث كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول. فنزلت الآية لترد عليهم وتبيح للرجل أن يأتي زوجته بأي كيفية يشاء، ما دام ذلك في موضع الحرث وهو القبل، سواء أتاها من الأمام أو من الخلف.
ومن أبرز الأئمة الذين تصدَّوا لتفنيد كلام ابن عمر الإمام ابن القيم الجوزية في “زاد المعاد” حيث بيّن أن مراد ابن عمر كان الإتيان في القبل من جهة الدبر، لا الإتيان في الدبر نفسه، وذكر أن هذا هو الصحيح من قوله. والإمام ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” حيث أورد الروايات المختلفة عن ابن عمر، وحقق القول فيها، مؤكدًا أن الصحيح هو تحريمه لإتيان الدبر، وأن ما نُسب إليه من الجواز هو تأويل خاطئ أو رواية غير ثابتة. وكذا الإمام الشوكاني في “نيل الأوطار”: حيث ذكر الأحاديث والآثار الواردة في المسألة، وبيّن أن ما نُسب إلى ابن عمر من الجواز لا يصح، وأنه مخالف لظاهر النصوص الصحيحة ولإجماع الصحابة
بناءً على ما تقدم من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، وإجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وجمهور فقهاء الأمة من أئمة المذاهب المتبوعة، فإن الحكم الشرعي المستقر هو التحريم القاطع لإتيان الدبر. وأن الأقوال المخالفة هي أقوال شاذة لا يُعتد بها، ولا يجوز العمل بها، بل يجب على المسلم اجتنابها والتوبة منها إن وقع فيها، حفاظًا على دينه وصحته ومقاصد الشريعة الغراء في حفظ النسل والعرض، وصيانة الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وهذا هو الذي عليه المعول عند أهل العلم والتحقيق.
الأضرار