توزيع الطاقة الإيمانية: “أدومه وإن قل”
لا تسعَ للقيام بـ كم هائل من الطاعات في أول رمضان. هذا فخ نفسي. يكفيك القليل من الالتزام بالصلوات، القليل من قراءة القران بفهم وتدبر وإخضاع للروح المرهقة بين يدي القرآن كلام الله الجليل، القليل من الذِكر المتكرر “أذكار الصباح والمساء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم” فقراءة صفحة واحدة من كتاب الله دُبر كل صلاة والمداومة عليها كافية شافية، وربما استطعتَ بين العصر والمغرب أن تقرأ صفحتين بتدبر وبحث عن المعاني والجماليات، وتذوق حلاوة القرآن
أوصيك بما أوصاني به أبي رضي الله عنه وأرضاه، فقد قال لي: اقرأ كتاب الله كأنه رسالة لك وحدك من خالق هذا الكون، فافْضُضْ معانيه بسكون لتفهم لماذا أرسل الخالق العظيم هذه الرسالة لك خاصة، وأخضِع الروح التدبرية بين دفتيه، وأمعن النظر في أوامره ونواهيه.
وكذلك ذِكر الله، فليست الغاية من رمضان أن تقول سبحان الله مائة ألف مرة أو مليون أو أكثر، وإنما أن تقول سبحان الله عددا قليلا في كل مرة تنظر إلى شيء من عظيم خلق الله فتمجد الله وتسبحه وأنت تفهم معنى سبحان الله.
وهذا ينقلني إلى التدبر، وسامحني إن أطنبتُ في كلامي فأنا أعلم أني عندك بمنزلة الأخ المحب الذي يسقيك شيئا مذاقه شديد، لكن فيه فائدة جلية، ويتحسن مذاقه شيئا فشيئا حتى تحبه وتطلبه وتسعى إليه، التدبر عبادة عظيمة تُحرر روحك من قيودها، اُنظر في خلق الله وفي الكون وفي الناس وفي الأفلاك.. تعلَّم بعض الشيء عن هذا الكون العظيم، وكلما ازداد علمك فطنتَ إلى ضآلة الإنسان، وكلما فطنت لها سكنت روحك وهدأت نفسك.
دعني أكتب لك خارطة تعينك على هذه الخطوات:
1. أولا: من اليوم الأول إلى اليوم العاشر في رمضان
- اقرأ صفحتين “وجها واحدا” من المصحف بعد كل صلاة مكتوبة تساوي خمسة أجزاء في أول عشرة أيام.

- حدد وقتًا لا تترك في الدعاء والتضرع والإنابة، وأحسن الوقت قبل الإفطار، ربع ساعة يوميا لا تتركها أبدا.
- ثلث ساعة يوميا للتأمل والتدبر في خلق الله {حدد الوقت الذي يناسبك} ابتعد عن الهاتف، وعن الناس وعن الشاشات وعن المُلهيات، وابدأ في التدبر، ما هو حجم هذا الكون، هل هناك كائنات أخرى؟ ما هي المادة وتكوينها، كيف أتنفس، كيف أرى، وكلما زاد تركيزك في تدبرك خرجت بإثارة للبحث والتعلم، استكمل دورة التعلم عن الأشياء التي سألت نفسك عنها، وفي اليوم التالي تفكر فيما تعلمت واسأل نفسك بعدها ما يوصلك لمرحلة أعمق.
- تحديد الأوقات التي تمسك فيها هاتفك للتصفح، وتحديد الأشياء التي تستحق التصفح.
- لا تتابع الريلز والفيديوهات فهي تسحبك إلى الهوة رويدا رويدا، لا تعرِّض نفسك للشرارة الأولى، فقد تضطرم النار فجأة وأنت لا تشعر.
- اُكتب إنجازاتك اليومية وأنك نجحت في الخطة.
- لا تدخل الحمام بهاتفك نهائيا.
- لا تخلون بنفسك تحت أي ظرف.
- مارس رياضة المشي يوميا لمدة ساعة في الليل “فهو الوقت الذي قد تزيد فيه رغبتك الجنسية” المشي مع التدبر.
- تجنب الأطعمة الدسمة والسكريات، فهي تزيد من الشهوة. واشرب كميات كافية من الماء.
- كلما زاد الطعام، زادت الشهوة. وكلما قل الطعام، ضعفت الشهوة. لذلك، فإن التحكم في شهوة البطن هو مفتاح التحكم في شهوة الفرج.
- إذا جاءت الشهوة غيِّر المكان فورا، تحدث إلى أحد الأصدقاء، ولو كان هناك صديق معك في نفس الخطة استذكراها معا.
- تنظيم النوم: نم مبكراً واستيقظ مبكراً، فالنوم المتقطع يزيد من التوتر والشهوة.
مع إدارة العطش الهرموني من اليوم الثالث، فتفتُر الهمة وتقل حلاوة الطاعة، ويكون ما تفعله اعتياديا، أكمل ما أنت عليه وأرغم نفسك ألا تبعثر ما تم بناءه، وأعط الدماغ مكافآت متوازنة فإنه يلهث خلف الدوبامين، فقط أبقِه مشغول ضمن خطة متكاملة ليس فيها شيء من الفراغ، املأ الوقت الفائض بقراءة أو تدبر أو تعلم أو رياضة أو إنجاز صغير بشكل يومي، مع تغيير الأماكن للتغلب على الملل.
في هذه المرحلة نريد أن يكون الدماغ مشغولا بروتين واضح لا وقت فيه للتفكير للبحث عن المكافآة المعتادة، عندما يبحث الدماغ عن المكافآة فإنه بصورة لا إرادية يذهب بك إلى الإباحية فليس شيء فيما تصنعه يعادل جرعة الدوبامين الرخيص التي يحصل عليها الدماغ من الإباحية والعادة السرية.
2. ثانيا: من اليوم العاشر إلى اليوم عشرين.
لا تتوقع نفس القوة الإيمانية، لكن كرر نفس البرنامج “أدومه وإن قل” مع هذه الزيادة التالية.
- اقرأ 4 صفحات “وجهين” من المصحف بعد كل صلاة مكتوبة تساوي 10 أجزاء، ليكون المجموع خمسة عشر جزءا.
- قِف أمام المرآة عشر دقائق قبل النوم، وتحدث إلى نفسك بما تشعر به، لا تخجل ليس هذا من الجنون، ولن يصيبك الجن بأذى، فقط قل لنفسك بصوت انت تسمعه بتحريك شفتيك كيف أبليتَ حسنا، والتزمت بالخطة.
- أضف: صدقة صغيرة يومية (حتى لو 5 جنيهات) متكررة لا تنقطع إلى نهاية رمضان.
- اقرأ في التفسير عن معاني الآيات التي وقفت عندها وأنت تتلو القرآن
يزداد العطش الهرموني والركود النفسي والإيماني في هذه المرحلة، ويبدأ الدماغ في التفاوض معك أن تعطه جرعة دوبامينية رخيصة مما اعتاده، ويخوفك: هذه الفرصة وقتها تماما، قبل العشر الأواخر، حتى لا نقع في المحظور في العشر المباركات، دعنا ننال هذه المتعة مرة واحدة حتى نحافظ على أيام العشر، دعنا لا نهدر طاقة العشر الإيمانية ونهدم الجسور التي نبنيها للاتصال بالخالق العظيم، دعنا نقع الآن فالمصيبة ستكون عظيمة إذا وقعنا في ليلة القدر.
وهكذا، سيتفاوض معك الدماغ، لا تسمح له بالدخول إلى طاولة المناقشة، شدد الحصار عليه، املأ الوقت كاملا، لا مساحة للتفاوض، خذ جرعات دوبامينية من العبادة والتدبر والاتصال بالأصدقاء، والرياضة، المشي في الهواء المفتوح. فإذا مرَّت هذه العشر بسلام فإن ما بعدها أيسر إن شاء الله.
فإذا وقعت في الذلة، فلا تيأس من رحمة الله. قم فوراً بالتوبة الصادقة، واغتسل، وصل ركعتين، وتصدق. لا تدع الشيطان يجعلك تيأس من رحمة الله، قم بتحليل الأسباب، وتجنبها في المستقبل، ثم استكمل طريقك كأنما لم تقع في شيء.
3. ثالثا: العشر الأواخر
نفس البرنامج، مع الزيادة المطلوبة لختم القرآن، فقد قرأنا الآن نصف القرآن ونحن نحب أن نختمه في رمضان “وليست هذه غاية أبدا، ربما تكون الغاية أن نفهمه لا أن نختمه، ويكفيك حتى أن تفهم الفاتحة وحدها” لكن لا أريد أن أهدم هذه العادة الطيبة التي تمتلئ بها النفس، فإذا أردنا أن نختم القرآن يجب أن نضيف المزيد من الصفحات.
- اقرأ 6 صفحات “اثنا عشر وجها” دُبر كل صلاة مكتوبة.
- أضف ألف تسبيحة يوميا على مسبحتك، وألف صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ضاعف الصدقة، مع المداومة اليومية عليها.
- اقرأ في التفسير عن معاني الآيات التي وقفت عندها وأنت تتلو القرآن.
في العشر الأواخر تزداد الهمة إلى الطاعة طمعا في تحصيل أجر ليلة القدر، لكن انظر إلى حالك في الليالي الزوجية والليالي الفردية فإن وجدت فارقا فحدث نفسك بصوت واضح أمام المرآة.. وانظر ماذا ستقول عن هذه الفوارق، فمن العافية النفسية أن تتصالح مع ما يحدث وأن تحاول فهمه، ومن ثم تعديل ما يجب تعديله.
في هذه العشر ستفتُر همتك كلها بعد ليلة السابع والعشرين من رمضان، فكثير من الناس يشعر أن رمضان انتهى وأنه يجب أن يُطلق سراح هذا الوحش الكاسر الذي اقترب على الانفجار.
لو حافظتَ على الخطة المكتوبة فقد تجد نفسك هادئة متناسقة تستطيع أن تتحدث إلى الدماغ: يا أيها الدماغ تعال معنا في هذه الرحلة الكريمة من التخلص من الإباحية، تعال إلى الهدوء والسكينة، تعال إلى الطبيعة الفطرية التي خلقنا الله عليها، أعلم أيها الدماغ أنك تعاني، وأعلم يقينا أن معاناتك ستكون سبب نجاتك فيما بعد.
أكمل بعد رمضان، لا تتوقف عن العافية، لا تجعل الإباحية تسرق عمرك.
واجعل بروتوكول التعافي حاضرًا في حياتك كلها، لتغسل الروح من أدران الإباحية وبأسها.