إن الموقف الشرعي من ختان الإناث يتطلب تمييزاً دقيقاً بين المفاهيم المختلفة، وفهماً عميقاً للنصوص الشرعية والمقاصد الإسلامية. لقد حسمت المؤسسات الدينية المعتبرة في العالم الإسلامي موقفها من تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، كما وضحت الضوابط الشرعية للممارسات الطبية المشروعة.
الأدلة الشرعية وتحليلها
الأحاديث النبوية المتعلقة بالموضوع
أشهر الأحاديث التي يُستدل بها في هذا الموضوع هو حديث أم عطية رضي الله عنها، والذي روته عدة مصادر بألفاظ متقاربة. أشهر هذه الروايات: “أشمِّي ولا تنهكي فإنَّهُ أسرى للوجهِ وأحظى عند الزوجِ”. هذا الحديث، وإن كان فيه ضعف في السند عند بعض المحدثين، إلا أن معناه يحمل دلالات مهمة جداً.
تحليل مفردات الحديث:
“أشمِّي”: من الإشمام، وهو الأخذ اليسير جداً، كما يُشم الطيب دون إفراط.
“لا تنهكي”: النهك هو المبالغة والإفراط في القطع، والنهي عنه واضح وصريح.
“أسرى للوجه”: أي أكثر إشراقاً ونضارة للوجه.
“أحظى عند الزوج”: أي أكثر حظوة ورضا من الزوج.
هذا الحديث يضع ضوابط واضحة جداً: الإشمام (الأخذ اليسير) مقبول، والإنهاك (المبالغة في القطع) منهي عنه. كما أن الهدف المذكور هو تحسين الحياة الزوجية وليس كبت الشهوة أو منع المتعة.
مقاصد الشريعة في هذا الباب
الشريعة الإسلامية تقوم على مقاصد عليا تهدف إلى تحقيق مصالح الإنسان ودرء المفاسد عنه. في موضوع ختان الإناث، نجد أن المقاصد الشرعية تؤكد على:
- حفظ النفس: أي حماية الإنسان من الأذى والضرر، وهذا يشمل حماية الفتيات من أي ممارسات تضر بصحتهن الجسدية أو النفسية.
- حفظ النسل: أي حماية القدرة على الإنجاب والحياة الزوجية السليمة، وهذا يتطلب الحفاظ على الوظائف الطبيعية للأعضاء التناسلية.
- حفظ العقل: أي حماية الصحة النفسية والعقلية، وتجنب ما يسبب الصدمات النفسية أو الاضطرابات.
هذه المقاصد تؤكد أن أي ممارسة تضر بالصحة الجسدية أو النفسية أو تعيق الحياة الزوجية الطبيعية هي مخالفة لمقاصد الشريعة، حتى لو ادُّعي أنها “دينية”.
موقف المؤسسات الدينية المعتبرة
· الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية
أكد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، بالإجماع، عدة نقاط مهمة:
- عدم وجود نص قرآني: لا يوجد في القرآن الكريم أي نص يأمر بختان الإناث أو يشير إليه.
- ضعف الأحاديث: الأحاديث التي يُستدل بها على وجوب ختان الإناث ضعيفة السند وغير صحيحة.
- عدم ختان بنات النبي: لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن بناته، وهذا دليل قوي على عدم الوجوب.
- التحريم الشرعي: ما يُمارس اليوم تحت مسمى “ختان الإناث” هو تشويه محرم شرعاً.
- وجوب المعاقبة: يجب معاقبة من يمارس هذه الأعمال الإجرامية.
· المجمع الفقهي الإسلامي الدولي
أصدر المجمع الفقهي الإسلامي الدولي قراراً مهماً (رقم 220) يوضح الموقف الشرعي بدقة:
- التمييز بين المفاهيم: فرق المجمع بين “الخفاض” (الأخذ اليسير من الجلدة فوق البظر) وبين “تشويه الأعضاء التناسلية”.
- عدم الممارسة الواسعة: أكد أن “الخفاض” لا يُمارس في أكثر بلدان العالم الإسلامي.
- التحريم القاطع: حرم بشكل قاطع أي مساس بأجزاء الجهاز التناسلي الأنثوي يؤدي إلى ضرر.
- التجريم الشرعي: اعتبر هذه الممارسات جريمة يُعاقب عليها شرعاً.
· الآراء الفقهية التفصيلية
رأي المذهب الحنبلي والشافعي
يرى بعض فقهاء المذهبين الحنبلي والشافعي أن ختان الأنثى واجب أو مستحب، ولكن بشروط وضوابط صارمة:
- التعريف الدقيق: الختان هو أخذ جلدة يسيرة فوق البظر تشبه عرف الديك.
- عدم المساس بالبظر: لا يجوز المساس بالبظر نفسه أو أي جزء وظيفي.
- الإشمام وليس الإنهاك: يجب أن يكون الأخذ يسيراً جداً (إشمام) وليس مبالغة (إنهاك).
- الهدف التحسيني: الهدف هو التحسين وليس الكبت أو المنع.
الرأي القائل بعدم الوجوب
توجد رواية أخرى في المذهب الحنبلي وآراء في مذاهب أخرى تقول بعدم وجوب ختان الأنثى. هذا الرأي يستند إلى:
- ضعف الأدلة: ضعف الأحاديث الواردة في الموضوع..
- عدم الممارسة النبوية: عدم ثبوت ختان النبي لبناته.
- اختلاف التركيب: الاختلاف في التركيب التشريحي بين الذكر والأنثى.
- درء المفاسد: تجنب المفاسد المحتملة من سوء الفهم أو التطبيق.
الضوابط الشرعية للممارسة الطبية
إذا كان هناك حاجة طبية حقيقية لأي تدخل في المنطقة التناسلية، فإن الشريعة تضع ضوابط واضحة:
ضوابط الضرورة الطبية
- وجود مرض أو مشكلة حقيقية: لا يجوز التدخل إلا لعلاج مشكلة موجودة فعلاً.
- فشل البدائل: يجب تجربة العلاجات الأخرى قبل اللجوء للجراحة.
- غلبة المصلحة: يجب أن تكون المصلحة المتوقعة أكبر من المضار المحتملة.
- الاختصاص: يجب أن يقوم بالإجراء طبيب مختص ومؤهل.
ضوابط الموافقة والرضا
- البلوغ والرشد: يجب أن تكون المريضة بالغة وعاقلة.
- الموافقة المستنيرة: يجب أن تفهم المريضة طبيعة الإجراء ومخاطره وبدائله.
- عدم الإكراه: يجب أن يكون القرار حراً وغير مُكره.
- الاستشارة: يُستحب استشارة أكثر من طبيب في الحالات المعقدة.
خلاصة الموقف الشرعي
الموقف الشرعي الصحيح يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- تحريم التشويه: تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية محرم شرعاً بالإجماع.
- جواز العلاج الطبي: العلاج الطبي المبرر والمحدود جائز بشروطه.
- عدم الوجوب العام: لا يوجب الشرع ختان الإناث كممارسة عامة.
- احترام الاختلاف: احترام الاختلاف الفقهي في المسائل الفرعية.
- الأولوية للسلامة: عند الشك، الأولوية لسلامة الإنسان وعدم إيذائه.