ينظر الإسلام إلى العلاقات الجنسية من منظور شامل يراعي الفطرة السليمة، ويحفظ كرامة الإنسان، ويصون الأسرة والمجتمع. وفيما يتعلق بالفتيشيات، يمكنك أن تستخلص الرأي الفقهي من خلال المبادئ العامة والأحكام المتعلقة بالجنس.
المنظور الإسلامي للعلاقات الجنسية السوية:
يُعتبر الجنس في الإسلام نعمة من نعم الله تعالى، ووسيلة لتحقيق السكينة والمودة بين الزوجين، وتكاثر النسل. وقد وضع الإسلام ضوابط وأحكامًا للعلاقة الجنسية لضمان تحقيق مقاصدها السامية، وحمايتها من الانحرافات التي قد تضر بالفرد والمجتمع.
الأصل في العلاقة الجنسية بين الزوجين هو الإباحة، ما لم يرد نص شرعي بالتحريم. وقد أباح الإسلام للزوجين الاستمتاع ببعضهما البعض بكل الطرق التي تحقق الإشباع المتبادل، وتزيد من المودة والرحمة بينهما، بشرط أن تكون هذه الطرق لا تخرج عن حدود الشرع، ولا تسبب ضررًا لأي من الطرفين.
الفتيشيات الجنسية في ميزان الشريعة الإسلامية: تأصيل فقهي لمسألة مستجدة
إن مصطلح “الفتيشيات الجنسية” (Fetishism) هو مصطلح حديث النشأة في حقل العلوم الإنسانية، لم يرد ذكره بنصه في نصوص الوحي الشريف، ولا في مدونات الفقه الإسلامي المتقدمة. إلا أن الفقهاء ذكروا عمومات في المسألة مثل ما ذُكر في (المغني 7/232) “وله أن يستمتع منها بما شاء إذا كانت زوجته، ما لم يكن وطئًا في الدبر أو حال الحيض”. وفي (رد المحتار 3/18) “وله أن يتمتع ببدنها كيف شاء سوى الوطء في الدبر، وما كان مستقذرًا طبعًا”
وكذلك في (الشرح الكبير للدردير 2/266) “وجاز استمتاع كل واحد من الزوجين بجميع بدن الآخر إلا الدبر، بشرط أمن الضرر وعدم الامتهان”، وفي (المجموع للنووي 16/409) “يجوز لكل واحد من الزوجين الاستمتاع بجميع بدن الآخر بما شاء، إلا الوطء في الدبر، أو حال الحيض، أو ما استقذره الطبع السليم”، وفي (بدائع الصنائع 2/331) “ولو أدخل شيئًا بدل الذكر للتلذذ، فإن أدى إلى ضرر أو كان تشبهًا بفعل قوم لوط منع” وفي (زاد المعاد 4/253) “من طلب اللذة في غير موضعها فقد انحرفت فطرته، وصار تابعًا لهواه لا لهدي الشرع.”
فمثل هذه العمومات تمكن الفقيه من استنباط الأحكام الشرعية للنوازل المستجدة، وإن لم يرد فيها نص خاص. “ما فرطنا في الكتاب من شيء”، فـ “الاجتهاد لا ينقطع”. وعليه، يمكن تأصيل الحكم الشرعي للفتيشيات الجنسية من خلال النظر في مقاصد الشريعة، والقواعد الفقهية الكبرى، والنصوص العامة التي تحكم العلاقة الزوجية والآداب الجنسية في الإسلام.
أولاً: ضوابط التحريم:
تحرم الفتيشيات الجنسية إذا انطوت على محاذير شرعية قطعية، يمكن إجمالها فيما يلي:
إذا انطوت على إتيان محرم شرعًا: وهذا هو الأصل الأول في التحريم. فكل فتيشية تدفع إلى ممارسة فعل حرمه الشارع بنص قطعي أو إجماع، فهي محرمة بذاتها. ومن أمثلة ذلك:
- إتيان الدبر: وهو محرم تحريمًا قطعيًا عند جماهير الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم، استنادًا إلى نصوص صريحة من القرآن والسنة. فقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾[البقرة: 223]، قد فُسر بأن موضع الحرث هو القُبُل، وهو موضع النسل. وقد وردت أحاديث نبوية تنهى عن إتيان النساء في أدبارهن وتلعن فاعله، كقوله صلى الله عليه وسلم: “ملعون من أتى امرأة في دبرها” [رواه أبو داود والترمذي]. [وقد أفردنا له مقالا خاصا]. وهذا التحريم يشمل كل فتيشية يكون الإشباع فيها متوقفًا على هذه الممارسة المحرمة.
- إتيان الزوجة في فترة الحيض أو النفاس:وهو محرم بنص القرآن الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]. فكل فتيشية تدعو إلى هذه الممارسة، فهي محرمة.
- ممارسة الجنس مع غير الزوجة: كالزنا أو اللواط، أو أي علاقة جنسية خارج إطار الزواج الشرعي، فكلها محرمة تحريمًا قطعيًا، وكل فتيشية تدعو إليها فهي محرمة.
- إذا ألحقت ضررًا جسديًا أو نفسيًا بالذات أو بالغير: من القواعد الفقهية الكبرى: “لا ضرر ولا ضرار”. فالشريعة جاءت بحفظ الضروريات الخمس، ومنها حفظ النفس. فإذا كانت الميول الفتيشية تدفع الفرد إلى إلحاق الضرر بنفسه (كالممارسات الخطيرة التي قد تؤدي إلى الموت أو العاهة المستديمة) أو بشريكه (كالإيذاء الجسدي أو النفسي)، فإنها تُحرم. وهذا يشمل الضرر الجسدي الظاهر، والضرر النفسي الذي يلحق بالشريك من إكراه أو إهانة أو انتهاك لكرامته.
- إذا انطوت على انتهاك لحرمات الآخرين أو حقوقهم: الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ الحقوق وصيانة الحرمات. فإذا كانت الفتيشية تتضمن انتهاكًا لحرمات الآخرين، مثل التلصص (التجسس على عورات الناس)، أو الاحتكاك غير الشرعي الذي يتضمن ملامسة جسد الغير، أو أي سلوك غير قانوني أو غير أخلاقي يتعدى على حقوق الآخرين وحرياتهم، فإنها تُحرم تحريمًا قاطعًا. وهذا يدخل تحت عموم النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
- إذا أدت إلى الاعتماد الكلي على غير الطبيعي وهجر المباح: الأصل في العلاقة الزوجية هو تحقيق السكينة والمودة والإحصان والإنجاب. فإذا أصبحت الفتيشية هي المحور الأساسي للإشباع الجنسي، بحيث لا يمكن للفرد الاستمتاع بالعلاقة الطبيعية مع شريكه في موضع الحرث، أو أدت إلى هجر المباح (وهو الجماع الطبيعي)، فإن ذلك يُعد انحرافًا عن الفطرة السليمة ومقاصد الزواج. وهذا قد يؤدي إلى مشاكل زوجية ونفسية عميقة، وبالتالي يُنظر إليه على أنه مكروه كراهة تحريمية أو محرم إذا أدى إلى الضرر أو هجر المباح بالكلية.
ثانياً: ضوابط الكراهة:
قد تُعتبر بعض الميول الفتيشية مكروهة إذا كانت لا تصل إلى حد التحريم القطعي، ولكنها تُعد من الأمور التي لا تتوافق مع كمال الأدب الإسلامي، أو قد تؤدي إلى الانحراف عن الفطرة السليمة على المدى الطويل، أو تسبب نوعًا من النفور أو الضيق للشريك دون أن تصل إلى حد الضرر المحرم. فالكراهة هنا تعني أن ترك الفعل أولى وأفضل، وأن فعله لا يترتب عليه إثم مباشر، ولكنه قد يفتح بابًا للمحرم أو ينقص من كمال العلاقة الزوجية.
ثالثاً: ضوابط الجواز (التفضيل الجنسي):
إذا كانت الميول الفتيشية مجرد تفضيل جنسي بسيط، يمارس بالتراضي التام بين الزوجين، ولا يتضمن أي محرم شرعي من المحاذير المذكورة أعلاه، ولا يسبب ضررًا جسديًا أو نفسيًا لأي طرف، ولا يؤدي إلى هجر المباح أو الاعتماد الكلي عليه، فإنها قد تكون في دائرة الجواز. فالمهم هو أن تبقى العلاقة الجنسية في إطارها الشرعي والأخلاقي، وتحقق السكينة والمودة بين الزوجين، وأن تكون وسيلة لتعميق المحبة والتقارب، لا أن تكون سببًا للنفور أو الضرر أو الانحراف عن مقاصد الشريعة. والقاعدة الفقهية هنا: “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل على التحريم”. ولكن هذه الإباحة مقيدة بالضوابط الشرعية العامة ومقاصد الشريعة في حفظ الفطرة السليمة والعلاقة الزوجية. [يُستدل هنا بالقواعد الفقهية العامة ومقاصد الشريعة في حفظ النسل والعرض والفطرة السليمة، بالإضافة إلى نصوص القرآن والسنة التي تحث على المودة والرحمة بين الزوجين وتبيح الاستمتاع بينهما بما لا يخالف الشرع].
ويفرق الدين الإسلامي بين مجرد وجود الميول أو الأفكار الفتيشية وبين ممارستها. فمجرد وجود الأفكار أو الخواطر لا يُحاسب عليها الإنسان، ما لم تتحول إلى فعل. فالإسلام يركز على الأفعال الظاهرة، وعلى النية المقترنة بها.
لذلك، إذا كان لدى الفرد ميول فتيشية، ولكنه لا يمارسها بما يخالف الشرع، ولا تسبب له ضيقًا نفسيًا أو تؤثر على حياته، فإنه لا يُعد آثمًا. ولكن إذا تحولت هذه الميول إلى أفعال محرمة أو ضارة، فإنها تُصبح محرمة شرعًا.
بروتوكول التعافي