بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
أجمع الفقهاء على أنه لا يأثم ذلك الشخص الذي تأتيه التخيلات الجنسية دون تكلف منه أو أن يستدعيها، وأحب العلماء له أن يدافعها بما يستطيع، يعني يحاول يطردها من عقله بقدر ما يستطيع، ودليلهم قول النبيﷺ ” إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ ” رواه البخاري
أما الشخص الذي يستدعي الخيالات الجنسية ويطلبها ويحضرها، فقد اختلف الفقهاء فيه:-
فريق يري بحرمة ذلك
- وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وبعض الشافعية، بل عده بعضهم من الزنى، قال ابن الحاج المالكي: ويتعين عليه أن يتحفظ على نفسه بالفعل، وفي غيره بالقول من هذه الخصلة القبيحة.
- وقال ابن مفلح الحنبلي في الآداب: وقد ذكر ابن عقيل، وجزم به في الرعاية الكبرى: أنه لو استحضر عند جماع زوجته صورة أجنبية محرمة، أنه يأثم.. وقال ابن عابدين الحنفي -بعد ذكره كلام ابن حجر الهيتمي الشافعي- الآتي: ولم أر من تعرض للمسالة عندنا (يعني الحنفية)، وإنما قال في الدرر: إذا شرب الماء، وغيره من المباحات بلهو، وطرب، على هيئة الفسقة، حرم، والأقرب لقواعد مذهبنا: عدم الحلِّ؛ لأن تصور تلك الأجنبية بين يديه يطؤها، فيه تصوير مباشرة المعصية على هيئتها، فهو نظير مسألة الشرب، ثم رأيت صاحب تبيين المحارم من علمائنا نقل عبارة ابن الحاج، وأقرها. انتهى من حاشية ابن عابدين، وبعض الشافعية ذهب إلى التحريم، حيث قال: العراقي في طرح التثريب: لو جامع أهله، وفي ذهنه مجامعة من تحرم عليه، وصور في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة، فإنه يحرم عليه ذلك، وكل ذلك؛ لتشبهه بصورة الحرام. والله أعلم. انتهى.
فريق يرى بجوازه.
- مثل الإمام السبكي، والإمام السيوطي.. قالوا إن التخيل ليس فيه عزم على المعصية، بل لو أتته هذه المرأة ربما دافعها ولم يفعل معها الحرام، وشافوا إن مفيش دليل واضح أو قياس يستحق إنه يُحرم التخيلات الجنسية.
- أما الشافعية: فالمعتمد عندهم هو جواز ذلك، قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: فرع: وطئ حليلته متفكرًا في محاسن أجنبية، خيل إليه أنه يطؤها، فهل يحرم ذلك التفكر، والتخيل؟ اختلف في ذلك جمع متأخرون، بعد أن قالوا: إن المسألة ليست منقولة، فقال: جمع محققون -كابن الفركاح، وابن البزري، والرداد شارح الإرشاد، والسيوطي، وغيرهم- بحل ذلك، واقتضاه كلام التقي السبكي في كلامه على قاعدة سد الذرائع، واستدل الأول لذلك بحديث: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت بها أنفسها… “، ولكن رده بأن الحديث ليس فيه ذلك، بل في خاطر تحرك النفس، هل يفعل المعصية، كالزنى، ومقدماته، أو لا، فلا يؤاخذ به، إلا إن صمم على فعله، بخلاف الهاجس، والواجس، وحديث النفس، والعزم، وما نحن فيه ليس بواحد من هذه الخمسة؛ لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر، والتخيل، فِعْل زنىً، ولا مقدمة له، فضلًا عن العزم عليه، وإنما الواقع فيه تصور قبيح بصورة حسن، فهو متناس للوصف الذاتي، ومتذكر للوصف العارض، فإن قلت: يلزم من تخيله، وقوع وطئه في تلك الأجنبية، أنه عازم على الزنى بها. قلت: ممنوع، كما هو واضح، وإنما اللازم فرض موطوءته هي تلك الحسناء لو ظفر بها حقيقة، لم يأثم، إلا إن صمم على ذلك، فاتضح أن كلًّا من التفكر، والتخيل، حالٌ غير تلك الخواطر الخمسة، وأنه لا إثم، إلا إن صمم على فعل المعصية بتلك المتخيلة لو ظفر بها في الخارج.
وفريق يرى بكراهته وآخر باستحبابه
قال ابن البزري: وينبغي كراهة ذلك، ورُدَّ بأن الكراهة لا بدّ فيها من حكم خاص …
ونقل ابن الحاج عن بعض: العلماء أنه يستحب، فيؤجر عليه؛ لأنه يصون به دينه، واستقرّ به بعض المتأخرين منا، إذا صح قصده، بأن خشي تعلقها بقلبه، واسـتأنس له بما في الحديث الصحيح من أمر “من رأى امرأة، فأعجبته، فإنه يأتي امرأته، فيواقعها”. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن إدمان ذلك التخيل، يبقي له تعلقًا ما بتلك الصورة، فهو باعث على التعلق بها، لا أنه قاطع له… ثم ذكر كلام ابن الحاج السابق، وقال: ورده بعض المتأخرين، بأنه في غاية البعد، ولا دليل عليه، وإنما بناه على قاعدة مذهبه في سد الذرائع، وأصحابنا لا يقولون بها… وقد بسطت الكلام على هذه الآراء الأربعة في الفتاوى، وبينت أن قاعدة مذهبه، لا تدلّ لما قاله في المرأة، وفرّقت بينها وبين صورة الماء بفرق واضح، لا غبار عليه، فراجع ذلك كله، فإنه مهم. انتهى المراد من كلام ابن حجر الهيتمي.
خلاصة الفتوى
فإن كانت التخيلات مما تأتي دون تكلف واستحضار، ومما يستدفعها الإنسان فلا يدفعها فلا شيء عليه إن شاء الله، وإن كانت مما يطلبها الإنسان فليستغفر الله وينتهي، وإن كانت العلاقة الجنسية مع الزوجة لا تقوم إلا على التخيلات فهذا خطر يستحق مراجعة طبيب النفس، والله أعلم.
