بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جماع الزوجة وقت الحيض له حكمان
أولاً: إما أن يقع نسياناً أو خطأً بأن يغلب على ظن الزوجة أنها قد طهرت، والحقيقة أنها ليست كذلك، ففي هذه الحالة يرجى أن لا يؤاخذ الله تعالى الزوجين به، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه. ولا يلزم الزوجين شيء في هذه الحالة.
وثانيا: أن يقع الجماع بعمد مختارًا عالما بالتحريم، والواجب عند ذلك التوبة والاستغفار والندم والعزم على عدم الوقوع فيه مرة أخرى، يقول الخطيب الشربيني رحمه الله: “ووطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد، العالم بالتحريم، المختار…” انتهى من “مغني المحتاج” (1/ 110).
ويستحب في هذه الحالة التكفير بإخراج قيمة دينار ذهب (أي وزن 4,25 غرام من الذهب الصافي عيار 24) إذا وقع الجماع أول الحيض، وبنصف دينار إذا وقع آخره، امتثالا لأمر النبيﷺ لما سُئل أن رجلا أتى امرأته في حيضتها فقالﷺ: {يتصدق بدينار أو بنصف دينار}
يقول الإمام الرملي رحمه الله: “يستحب للواطئ -مع العلم وهو عامد مختار- في أول الدم تصدق ولو على فقير واحد بمثقال إسلامي من الذهب الخالص، أو ما يكون بقدره، وفي آخر الدم بنصفه” انتهى من “نهاية المحتاج” (1/ 332).
وفي الحالتين لا يجب على الزوجة الاغتسال من الجنابة، وإنما يكفي الاغتسال بعد الطهارة من الحيض عن الحدث الأكبر، كما يقول الإمام النووي رحمه الله: “لو اجتمع على المرأة غسل حيض وجنابة كفت نية أحدهما قطعاً” انتهى. والله أعلم.
أما سؤالك عن الضرر الواقع من الجماع أثناء فترة الحيض وقبل الطهر ففيه تفصيل:
الضرر الطبي الذي سنفرد هاهنا ليس دليلا على أنه قد حصل لأيكما، ولكنه احتراز العلم لمن كثر منه الوقوع في الجماع وقت الحيض، واحتمالات حدوثه واردة، لكن نرجو أن شيئا لم يصبكما.
أما الضرر الذي قد يقع على الزوجة التي يجامعها زوجها فترة الحيض
- أولا: تلك الجراثيم النافعة المتناثرة داخل المهبل “عصويات دودرلين – Gardnerella ” تعمل لحماية المهبل من غزو الجراثيم الضارة، وهي وسيلة الدفاع الأوفى حتى لا تتسرب الجراثيم الضارة إلى الرحم وقنواته؛ وهذه العصويات تتغذى على السكر المخزون في خلايا جدار المهبل، وتحوله إلى حمض لبنيك، وهذا الأخير قاتل للجراثيم الضارة، وهي بطريقة يكتنفها بعض الغموض تَحول دون نمو الجراثيم الضارة وتُحجِّم نشاطها، هذه العصويات التي هي بمثابة جيش الدفاع ضد هجمات الجراثيم الضارة تضعف قبل الحيض مباشرة، وعند نزول دم الحيض تتغير درجة التأين الحمضي للمهبل إلى القلوية، فتموت تلك العصويات وتنجرف مع تيار الدم إلى خارج المهبل وفي هذه الآونة تتهيأ كل الظروف لنمو وتتكاثر الجراثيم الضارة، وتجد المرتع الخصيب للنمو والتكاثر وذروة النشاط، فتخيل معي أن حماية المهبل منزوعة منه لتجديدها، والجراثيم الضارة متحينة أي فرصة بكل ضراوتها للهجوم ثم يحدث دخول للعضو الذكري، ينقل معه جراثيم الخارج، ويفتح مساحة لهذه الضارية أن تمارس هجومها، وتصل إلى جدار الرحم المتهتك، وتنفذ إلى داخل فراغ البطن.
صدق الله ربنا لما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ البقرة: 222.
- ثانيا: ولا يتوقف الضرر عند ذلك فإن المرأة تصاب بالآلام من الجماع في هذه المرحلة، وذلك لارتفاع مستوى مادة البرستجلاندين وهي المسببة لزيادة جريان الدم، وارتفاعها يسبب احتقانا للحلق ويزيد من آلامه.
- ثالثا: كما وُجدت علاقة بين إتيان النساء في المحيض وسرطان عنق الرحم، ذلك أن النسيج الذي يبطن جدار عنق الرحم يكون في أضعف أحواله وقت الدورة الشهرية ومعرض للندب والجروح، فإذا ما جُرح وتسلل حيوان منوي إلى الجدار الهش فإنه قد يغير خواص الحمض النووي للخلايا DNA وهذا ما قد يسبب احتمالية حدوث سرطان عنق الرحم.
- رابعا: وهناك سبب آخر يدعو للتأمل، الحيوان المنوي المتسرب هذا إذا وصل للدم فإن الجهاز المناعي يكون أجسادًا مضادة له، وصار الجهاز المناعي يتعامل مع الحيوان المنوي على أنه عدو، وهذا ما قد يصيب بإجهاض أو عدم حدوث حمل.
- خامسا: كما أن الأوعية الدموية التي تغذي الرحم تكون متمددة في وقت الدورة الشهرية، ومع دخول وخروج العضو الذكري قد يتسب بعض الهواء الذي يسد الأوعية الدموية مما قد يسبب ضررا على المخ أو الرئة، وقد سُجلت حالات وفاة نُسبت لهذه المشكلة تحديدا.
أما الضرر الواقع على الرجل الذي يجامع زوجته فترة الحيض فإن
- أولا: إن الجراثيم والبكتيريا الضارة قد تنتقل للقضيب، مما يسبب التهابا، وتمتد هذه الالتهابات للقناة البولية، وقد تهاجم غدة كوبر والبروستاتا وحتى الحويصلتان المنويتان وربما الخصيتين والبربخ كذلك.
- ثانيا: قد أثبتت العديد من الدراسات الحديثة الارتباط بين الجماع أثناء الحيض والتهابات المسالك البولية في الذكور والإناث على حد سواء، وتحدث الإصابة عادة خلال (24) ساعة بعد الجماع، وقد تكون الإصابة بالعقم مسببة عن نوبات التهابية متكررة حدثت بتكرر الاتصال أثناء الحيض.
هذا الكلام قد لا ينطبق على الذي وقع في هذا الخطأ مرة أو مرات قليلة، ولا أرجو من زوجين وقعا فيه عن طريق الخطأ أو العمد ولم يكرراه أن يخافا، فما كُتب هي احتمالات الطب فيما قد يحصل وإن كانت نسبة حدوثه ضعيفة.
والله أعلم..
