ظهر هذا السؤال على أكثر من موقع من مواقع الفتاوى الإسلامية: هل مشاهدة الأفلام الإباحية تبطل الصيام؟ ومن ضمنها كذلك: هل مشاهدة العُري يبطل الصيام؟ وأيضًا: هل مشاهدة الأفلام الإباحية تبطل الصلاة؟
يعود هذا السؤال يظهر كنتيجة للفقه الشعبي (أو فلنقل الجهل الشعبي) بأمور الدين وأحكام الشريعة. فمن ضمن الأخطاء الكبرى عند عموم الناس هو ربط الأشياء ببعضها البعض بشكل وجداني. مثل ماذا؟
مثل أن يربط الناس ضرورة الصلاة لقبول وصحة الصيام. فمثلاً إذا رأوا صائمًا لا يصلي قالوا له: صيامك لا يصلح أو لن يتقبل الله صيامك (أنت مش نافع لك صيام). وهو – لعمر الله – جريمة كبرى أن يتألى أحد على الله في حكم شديد الحساسية كهذه. هذا من ناحية العقيدة. أما من ناحية الحكم الفقهي فالأمر مختلف تمامًا.
دين الله وأحكام الفقه كما استقاها الفقهاء الربانيون لا تجري الأمور فيه بهذا الشكل. بل بتوضيح الفارق بين الفروض وبعضها البعض وحكم كل فرض بشكل مستقل. وعليه فإن الحكم ببطلان الصوم أو التجاوز وادّعاء أن الله لن يقبل هذا الصوم، هو محض افتراء يجب أن تتوقف عنه فورًا إذا كنت تفعله بأي شكل من الأشكال.
الصيام فريضة والصلاة فريضة. وكل فريضة لها حسابها الخاص عند الله، ولها أحكامها الفقهية والشرعية الخاصة عند الله. الصيام له مبطلات خاصة به والصلاة لها مبطلات خاصة بها. ولا يصلح أن نجمع الاثنين مع بعضهما البعض، إلا إذا كان هناك جامع فقهي يجمعهما بالفعل معًا وليس باجتهادات شخصية غير مبنية على علم.
فالحكم الفقهي لمن يصوم ولا يصلي هو: سقطعت عنه فريضة الصيام لأنه أدّاها كما يجب أن تؤدى، وهي الانقطاع عن الطعام والشراب ومباشرة الزوجة أو إنزال المني بشهوة وبقصد من الفجر حتى المغرب. فالصيام صحيح طالما لم يأكل أو يشرب أو ينزل مني بشهوة وبقصد سواء بمباشرة الزوجة أو الاستمناء.
ولكن عندما نتحدث عن الصلاة فهي حكم منفصل تمامًا عن الصيام. تارك الصلاة آثم إثمًا عظيمًا ويأتي كبيرة من الكبائر التي تستوجب توبة فورية، والتوقف عن ترك الصلاة والعودة إلى الالتزام بالصلاة فورًا. واختلف العلماء في حكم تارك الصلاة ما بين الفاسق والكافر لبيان عظمها وجرمها.
ولكن .. ما علاقة الصلاة بالصيام؟ هاتان فريضتان منفصلتان .. لماذا يتم الربط فيما بينهما عادة؟
يحدث هذا الربط بسبب الجهود الشعبية من فقهاء الشعب الذين يفتون بغير علم حقيقي، وإنما باجتهاد بشري عاطفي نابع من القلب بدون فقه حقيقي بأحكام الشريعة.
هل مشاهدة الأفلام الإباحية تبطل الصيام من الناحية الفقهية؟
الآن – بعد التمهيد السابق – يمكن إجابة سؤال هل مشاهدة الأفلام الإباحية تبطل الصيام ولكن من الناحية الفقهية البحتة.
فستكون الإجابة: مشاهدة الأفلام الإباحية لا تبطل الصيام إلا إذا حدث إنزال للمني بشهوة وبقصد. أي إذا أثار الرجل نفسه بمشاهدة الأفلام الإباحية وحصل استمناء باليد أو بأي غرض آخر، أدّى إلى نزول المنيّ بشهوة، ففي هذه الحالة يبطل الصيام. وعليه أن يقوم بقضاء يوم آخر. بل إن بعض الفقهاء قالوا بأنه حتى إذا نزل المني بشهوة لأي سبب، فقد بَطُلَ صيامه ولكن على الشخص أن يكمل صيام اليوم بشكل عادي حتى المغرب، حفظًا لهيبة شهر الصيام. ورأوا أن تناوله للطعام والشراب – حتى بعد فسام صيامه – يُعد تصرفًا غير لائق ولا يجوز في حق شهر الصيام.
ثم ننتقل إلى الجزء التالي: مشاهدة الأفلام الإباحية.
مشاهدة الأفلام الإباحية حرام في شهر رمضان أو غير رمضان. وطبعًا جملة “الأفلام الإباحية” ليس المقصود بها المواد الجنسية الصريحة التي تُعرض عبر الإنترنت فحسب، وإنما أي مواد إباحية يتعرض لها الإنسان سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى. فقد يكون الرجل يعيش في بلد أوروبي وطبيعة المجتمع الأوروبي ارتداء الملابس بشكل مثير للشهوات مختلف عما تعودنا عليه في مجتمعاتنا الشرقية والإسلامية. فهذا لون من الإباحية الذي يجب غض البصر عنه وعدم التعرض له. وكذلك التقليب في القنوات الفضائية ومشاهدة مشهد عاطفي أو مشهد جنسي أو أي مشهد غير لائق، يعتبر نوعًا من الإباحية التي من الممكن أن تؤدي إلى الإنزال بشهوة، والتي يجب تجنبها، وعدم التعرض لها إطلاقًا.