إذا غابت القيم الأخلاقية عن أي حضارة، كان من السهل أن تنتشر فيها الفاحشة بأحط صورها. وكان هذا هو العصر الذهبي لروما. دولة بحجمها واتساعها الشديد والرخاء الذي وصل له سكانها، مع غياب المنهج التربوي أو القيم الأخلاقية الأصيلة، ما الذي يمكن توقعه من حضارة كهذه؟
انتشرت النقوشات والمنحوتات التي تمثل أوضاعًا إباحية لعلاقات جنسية طبيعية، وجنس فموي، وجنس مثلي (شذوذ جنسي)، بل وجنس مع الحيوانات. فإذا افترضنا أن هذا هو الوضع في روما القديمة، أو ما كان يحدث بالفعل. فما الغرض من بذل هذا المجهود – الفني (افتراضًا) – في تصوير وتمثيل هذه الأوضاع الإباحية؟
الأرجح أن هذه الرسومات والمنحوتات كانت هي أدوات نشر الإباحية في ذلك العصر، والطريقة التي بها يتم استثارة الزبائن في بيوت الدعارة لعلاقة جنسية ساخنة، تشجعهم على معاودة الزيارة لنفس المكان لتكرار التجربة. هذه الصورة المحلية المعروفة للدعارة القديمة هي التي شجعت إحدى ممثلات الإباحية عندما تم سؤالها: هل تعتقدين أن صناعة الإباحية قد تختفي يومًا ما؟ أن تجيب بكل ثقة: بالطبع لا .. فهي أقدم مهنة في التاريخ!
الإباحية في التاريخ القديم عند رجل الكهف
أما المثير في الإباحية في التاريخ القديم فهو عثور العلماء على بعض النقوش الإباحية التي تصور رجالاً مفرطي الشهوة الجنسية على بعض صخور كريسويل في إنجلترا. تعود تلك النقوش إلى 12,000 عام بما يلقي علامات الاستفهام حول نظرة الإنسان القديم للإباحية ولماذا اعتني برسم مثل هذه النقوش.
لم يختلف الأمر كثيرًا في حضارة بلاد الرافدين أو ما بين النهرين. وقد أشرنا إلى الانحطاط الأخلاقي للحضارة الرومانية فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية. فلم يقتصر الأمر على عرض النقوش والمنحوتات الإباحية التي تمثل العلاقة الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة، بل امتد الأمر إلى تصويرهم للعلاقات الشاذة المثلية وكذا حب الغلمان الصغار. ولم تسلم الحضارة الفرعونية القديمة من هذا الوباء، إذ عرضت بردية تورين الجنسية 12 وضع جنسي لرجل بقوام غريب الشكل (غير رياضي) على عكس ما هو مشتهر بين قدماء المصريين.
وربطت بعض الحضارات الولع الجنسي والإباحية ببعض الشعائر والمعتقدات الدينية حتى تعطيها المسوغ الذي يسمح بنشرها في المجتمع بدون حرج أو اعتراض شعبي على ظهورها، وانتشر ذلك في معظم الحضارات القديمة تقريبًا.
الإباحية في التاريخ القديم مقابل الإباحية في التاريخ الحديث
يبدو وكأن هناك من يعتني بتطوير عرض الإباحية تزامنًا مع التطور التكنولوجي في شتى نواحي الحياة الإعلامية. فقد كان أول فيديو قام توماس إديسون بتصويره بأول كاميرا فيديو عبارة عن رجل يقبل امرأة. كان هذا الفيديو عام 1896 وكان عنوان الفيلم The Kiss. يبدو وكأن توماس إديسون قد مهد للإباحية على درجاتها المختلفة بمثل هذا الفيلم، وكأنه يخبر العالم أجمع أن المهمة الأولى للتصوير السينمائي والفيديو ستكون لنشر المزيد من الإباحية في المجتمع. ويبدو أن المجتمع الإباحي لم يكذب خبرًا، فسارع بالفعل بإتباعه بالمزيد من لقطات التقبيل التي تطورت لاحقًا لتصبح أفلامًا إباحية صريحة. تخيل .. أفلام إباحية صامتة بالأبيض والأسود.
شكل تطور أدوات عرض الميديا تطور الإباحية بظهور المزيد من المبادرات لعرض مشاهد العري والمواد الجنسية الصريحة في كل وسيلة تكنولوجية حديثة. فلو تابعت تكنولوجيا الطباعة، والتصوير الفوتوغرافي، والتصوير السينمائي، وتطورهم عبر الزمان، ستجد أن الإباحية قد احتلت جانبًا مميزًا للغاية في هذه الرحلة.
فقد كانت فرنسا هي الرائدة في مجلات الإباحية منذ نهايات القرن التاسع عشر، وإن لم تكن إباحية صريحة، وإنما خفية Soft Porn بإظهار مفاتن النساء في ملابس مثيرة، فقد تبعتها بريطانيا بإباحية صريحة، بمجلة تعرض صورًا عارية بالأبيض والأسود، ثم انتشرت الصناعة وتطورت أكثر وأكثر في العديد من الدول والبلدان المجاورة.
يقول دامون براون Damon Brown أحد أشهر مؤلفي أغلفة مجلة بلاي بوي (مجلة إباحية شهيرة للغاية) مقولة تؤكد طريقة تعامل العقلية الغربية مع الإباحية بشكل صريح:
“It seems so obvious: If we invent a machine, the first thing we are going to do–after making a profit–is use it to watch porn.”
“يبدو الأمر واضحًا للغاية: إذا اخترعنا آلة، فإن أول شيء سنفعله – بعد تحقيق الربح منها بالطبع – هو استخدامها لمشاهدة الأفلام الإباحية.”
التكنولوجيا والإباحية
كما قال دامون براون – وهو على حق في ذلك – ارتبطت كل تكنولوجيا حديثة بشكل أو بآخر بصناعة الإباحية. فقد تم استغلال الطباعة في الإباحية، ليس فقط بطباعة الصور المثيرة للنساء العاريات، وإنما كذلك في صناعة القصص والروايات التي اُشتهرت بالقصص الإباحية المثيرة التي تلقى رواجًا بين جمهور المريدين لمثل هذه المواد.
فكيف عندما تم اختراع أول كاميرا تصوير فوتوغرافي؟ أو أول كاميرا فيديو؟
أما الثورة الحقيقية فكانت عندما ظهرت الإنترنت. تعتبر الإباحية من الصناعات الرائدة التي غزت الإنترنت في وقت مبكر للغاية، وقدمت مئات وآلاف المواقع الشهيرة التي تروج للإباحية للتربح بأشكال مختلفة. ومازالت هذه الصناعة تنمو بشكل مثير على الرغم من تجريم بعض الدول لها، واعتبارها صناعة مخالفة للقانون.